Édition,
investigation
et débat d'idées

البغرير: النقاش الزائف

أن تتضمن بعض كتب اللغة العربية المقررة في التعليم الابتدائي كلمات مغربية دارجة، أمر قابل للنقاش وتبادل الآراء، غير أن النقاش المغربي يعتريه قدر هائل من القصور، مما يحول الاختلاف في الرأي إلى خلاف يطبعه التشنج والاستقطاب الإيديولوجي الحاد. ولعل ذلك يعود إلى تواري أهل الاختصاص عن الإدلاء بآرائهم، مما يفتح الباب أمام المتطفلين ليدلوا بدلائهم المثقوبة.                                                                                         

لا أحد ينكر فشل النظام التعليمي المغربي، نتيجة عوامل بنيوية متعددة ومتداخلة، لا يتسع المجال هنا لعرضها وتشريحها. لكن، وفي جميع الأحوال، فالبغرير والقفطان والبريوات وغريبة…حملت أكثر مما تتحمل، حتى صارت مشجبا يريد البعض أن يعلق عليه ما آلت وستؤول إليه المدرسة المغربية من فشل ذريع.    

                                                                             

إن أولئك الذين أرهبتهم كلمة البغرير يجهلون، ربما، أن اللغة العربيه الفصيحة نتاج تلاقح لهجات عربية عديدة ولغات أعجمية، وخاصة الفارسية. فمن المعلوم أن اللغة العربية تتضمن أكثر من ألف كلمة فارسية، ورد بعضها في القرآن الذي يعتبر مرجعا ومعيارا لغويا، ومن هذه الكلمات على سبيل المثال لا الحصر نذكر (جهنم/ إبريق/ استبرق..). ومع ذلك، لم نسمع أن العرب قديما استهجنوا وجود هذه الكلمات الأعجمية في النص المقدس الذي نزل بلسان « عربي » مبين.                              

إن الباحث في فقه اللغة العربية، يعلم أن لهجات القبائل العربية كانت متعددة  ومختلفة معجما وتركيبا وصوتا، غير أن النص المقدس، على ما يبدو، انتصر للهجة قريش لأسباب تاريخية وسياسية واقتصادية…دون أن يلغي بشكل مطلق باقي اللهجات، فقد ورد في النص القرآني، مثلا، قوله تعالى في سورة « طه »  » إن هذان لساحران »، وهذا التركيب يخالف قواعد اللغة العربية المعيارية، لأن كلمة « هذان »  يجب أن تنصب بالياء باعتبارها اسم الناسخ الحرفي « إن ». ورغم أن بعض المفسرين و علماء اللغة اجتهدوا لتفسير هذه الظاهرة اللغوية « الشاذة » معتبرين « إن »في الآية تقرأ مخففة لا عمل لها، بينما رأى آخرون أن « إن » هنا بمعنى « نعم » كما وردت في بعض الأشعار الجاهلية… ورغم ذلك، فإن هذه الآراء لا تحمل قدرا كبيرا من الإقناع، عكس ما ذهب إليه بعض النحاة ، ومنهم الأخفش، الذين أقروا بأن بعض القبائل العربية كانت تلحق الألف باسم الإشارة المثنى في جميع الحالات الإعرابية، وهو الرأي الأقرب إلى الصواب في نظري، مما يدل على انفتاح النص القرآني عل لهجات ولغات أخرى. وفي هذا السياق تحضرني قصة طريفة يتجلى من خلالها اختلاف لهجات العرب، إذ يروى أن أعرابيا وفد على أحد ملوك « حمير » (بكسر الحاء وتسكين الميم) ،وهي قبيلة عربية يمنية عرفت بفصاحة أهلها، وكان الملك في رحلة صيد جبلية، فلما سلم عليه قال له الملك: »ثب » أي اجلس بلغة حمير، فظن الأعرابي أن الملك يأمره بالقفز، فقال: »لتجدني أيها الملك مطواعا »، ثم وثب من الجبل فهلك. الواضح من هذه الحكاية أن الكلمة قد يختلف معناها بين قبيلة عربية وأخرى، بل إن تركيب الجملة قد يختلف أيضا، فقد ذهب بعض الباحثين إلى أن قبيلة »طيئ » كانت تلحق الضمير بالفعل الذي يأتي قبل الفاعل الظاهر، كقولهم  » قالا الرجلان » و « قالوا الرجال »، وهو ما يتنافى مع قواعد اللغة العربية المعيارية التي وضعها، ويا للعجب!، الفارسي سيبويه .                                            

إن اللغة العربية التي انتقلت إلينا عبر النص الديني، والموروث الثقافي، ليست لغة  » نظيفة »  بالمعنى الضيق الذي يتصوره البعض. ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى فتح نقاش هادئ حول السياسة اللغوية في المغرب، لايعني الاصطفاف إلى جانب هذا المعسكر أو ذاك، لأن اللغة العربية المعيارية واللغة المتداولة ليستا ضرتين تتنازعان المتكلم.                                                         

اللغات، عموما، كالكائنات الحية، تولد، وتنمو، وتتطور، وتتلاقح… ألا نجد في المعاجم الفرنسية كلمات مثل ( كسكس، تبولة، بايلا..)؟! هل ألحقت تلك الكلمات ضررا باللغة الفرنسية؟                                                                           

لا شك أن اللغات الجامدة مصيرها الموت، ولذلك فإن من يدافع عن العربية باعتبارها لغة كاملة لا تحتاج إلى تطوير لأنها لغة القرآن، فهو كمن يسعى  إلى تحنيطها، ووضعها في متحف مغلق، ملقيا بها في غياهب  النسيان.                                                                                                                                 

إن البغرير والمسمن والبريوات والقفطان… أسماء مغربية لا يوجد ما يقابلها في اللغة العربية، فما المانع من إضافتها إلى المعجم العربي؟ هل لغتنا العربية أوهن من بيت العنكبوت حتى نخشى أن يدمرها البغرير؟!                                             

إن النقاش الحقيقي حول النظام التعليمي المغربي، يجب أن يرقى إلى المطالبة  بمناهج دراسية تنتصر لقيم الحرية والمساواة والعدالة، وتقبل الاختلاف، والدفاع عن حقوق الإنسان، واحترام الأقليات، وتشجيع المتعلم على إعمال العقل والتفكير المنطقي، وصقل المواهب، والاحتفاء بالإبداع…كل هذا يحتاج إلى إرادة سياسية واضحة المعالم، تلك الإرادة الغائبة والمغيبة للأسف!

ملحوظة أخيرة: أنا لا أدافع عن التدريس بالدارجة.

أنوار الساهل